الشيخ محمد رشيد رضا
649
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للمتقين ، كما أن الجنة في الآخرة للمتقين ، وقال ( 65 : 42 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) وأمثال ذلك في التقوى العامة والخاصة وأجرها وعاقبتها كثير ، فمعنى التقوى العام اتقاء كل ما يضر الانسان في نفسه وفي جنسه الانساني القريب والبعيد وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والغايات الحسنة والكمال الممكن ولذلك قال العلماء انها عبارة عن ترك جميع الذنوب والمعاصي وفعل ما يستطاع من الطاعات . وزدنا على ذلك اتقاء الأسباب الدنيوية المانعة من الكمال وسعادة الدارين بحسب سنن اللّه تعالى في الكون كالنصر على الأعداء ، وجعل كلمة اللّه هي العليا في الأرض ، كما هي في الواقع ونفس الامر ، وكلمة الذين كفروا السفلى كذلك . وكمال ذلك يتوقف على العلم الواسع بالكتاب والسنة - وكمال هذا يتوقف على معرفة سنن اللّه تعالى في الانسان مجتمعا ومنفردا كما أرشد اليه في آيات من كتابه ، ومن ثم كانت ثمرة التقوى العامة الكاملة هنا حصول ملكة الفرقان التي يفرق صاحبها بنوره بين الأشياء التي تعرض له من علم وحكم وعمل فيفصل فيها بين ما يجب قبوله وما يجب رفضه ، وبين ما ينبغي فعله وما يجب تركه ، وتنكير الفرقان للتنويع التابع لأنواع التقوى كالفتن في السياسة والرباسة والحلال والحرام والعدل والظلم ، فكل متق للّه في شيء يؤته فرقانا فيه وبذلك كان الخلفاء والحكام من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تبعهم من خلفاء العرب أعدل حكام الأمم في الأرض حتى في عهد الفتح ، قال بعض حكماء الإفرنج : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب ، ولكنهم لم يتقوا فتن السياسة والرياسة لقلة اختبارهم فعوقبوا عليها بتفرقهم فضعفهم فزوال ملكهم وكان من بعدهم من أعاجم المسلمين دونهم لجهلهم بكل نوع من أنواع التقوى الواجبة ، وحرمانهم من فرقانها فهم يزعمون أنهم يجددون مجدهم مع جهل هذا الفرقان المبين ، وعدم الاعتصام بالتقوى المزكية للنفس ، المؤهلة لها للاصلاح في الأرض ، بل مع انغماسهم في السكر والفواحش لظنهم ان الإفرنج قد ترقوا في دنياهم بفساقهم وفجارهم ، وانما ترقوا بحكمائهم وأبرارهم ، الذين وقفوا حياتهم على العلم والعمل النافع ، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ